السيد محمد الصدر
98
منة المنان في الدفاع عن القرآن
من الملائكة . وهذا يؤيّد الفكرة التي ذكرتها ، وينفي فهم المشهور الذي يدّعي كونهم من الملائكة . فإن قلت : إنَّ هؤلاء ( ملأٌ أعلى ) ، أي : إنَّهم بدرجةٍ عاليةٍ جدّاً من الإيمان ودرجات اليقين ، ونحن من المتدنّين ، وأمّا أُولئك فإنَّهم فوق الاختصام ولا يُحتمل أنَّهم يختصمون . قلت : نعم ، هذا ما نصّ عليه القرآن ، أي : إنَّهم يختصمون ، فالاختلافات موجودةٌ على مختلف المستويات ، بل إلى درجة الفناء تبقى الاختلافات موجودةً ، وما دام الإنسان موجوداً كإنسانٍ ويشعر بوجوده الاستقلالي ، فهو يختلف عن غيره . وأنا وجدت روايةً عن أمير المؤمنين ( ع ) مفادها : أنَّ أهل الإيمان وأهل التقوى على سبعة أصنافٍ ، يسمّون بالمختارين والمصطفين والمهتدين . . . ولكلّ واحدٍ منهم مزيّة لا يدخله في الصنف الآخر « 1 » . فإذا كانوا سبعة أصنافٍ فلربما يختلف هذا مع ذاك ، وإذا تصوّرنا أنَّه يختصّ بمَن كان في درجاتٍ عاليةٍ وأنَّ لكلٍّ منهم تصرّفاً كونيّاً قليلًا أو كثيراً ، إذن فأمر هذا قد يختلف عن أمر ذاك ، فالنتيجة لمَن تكون ؟ فهذا يقول للورقة : كوني بيضاء والآخر يقول لها : كوني سوداء ، وعليه تكون النتيجة لإرادة الله . المهمّ أنَّهم يختصمون بحسب ما يرون من المصالح . وهم - حسب الفرض - لم يصلوا إلى الكمال المطلق ، وإلّا فالكمال المطلق ليس درجة الفناء العالي جدّاً ما دام يوجد ملأٌ أعلى وكثرةٌ ، إذن فهم عالون جدّاً وليسوا في الكمال المطلق الحقيقي ، أي : إنهّم محدودون ، وإذا كانوا محدودين فآرائهم واجتهاداتهم والمصالح التي يدركونها
--> ( 1 ) راجع الآيات والروايات الواردة في بحار الأنوار 154 : 66 - 175 ، أبواب الإيمان والإسلام والتشيّع ومعانيها وفضلها ، الباب 32 : درجات الإيمان وحقائقه .